أحمد مصطفى المراغي
49
تفسير المراغي
( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ) الذي له كل شئ وهو رب ذلك ، ليس لهم جواب غيره ولما تأكد الأمر وزاد وضوحا حسن التهديد فقال : ( قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ ؟ ) أي قل لهم منكرا وموبخا : أتعلمون ذلك ولا تقون أنفسكم عقاب ربكم ، فتنكروا ما أخبر به من البعث ؟ وبعد أن قررهم بأن العالمين العلوي والسفلى ملك له تعالى - أمره أن يقررهم بأن له تدبير شئونهما وتدبير كل شئ فقال : ( 3 ) ( قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أي قل لهم : من المالك لكل شئ ؟ والمدبر لكل شئ ؟ وفي قبضته وتحت سلطانه وتصرفه كل شئ ؟ وهو يغيث من يشاء فيكون في حرز لا يقدر أحد على الدنوّ منه ، ولا يغاث أحد ولا يمنع منه ، لأنه ليس في العوالم كلها ما هو خارج من قبضته . والخلاصة - إنه المدبر لنظام العالم جميعه ، وهو الذي يغيث من شاء ، ولا يستطيع أحد أن يغيث منه . ثم أجاب عن هذا السؤال قبل أن يجيبوا فقال : ( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ) الذي بيده ذلك دون غيره . ( قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ؟ ) أي قل لهم على طريق الاستهجان والتوبيخ : كيف تخدعون وتصرفون عن توحيد اللّه وطاعته ؟ فأنتم بعبادة الأصنام أو بعض البشر قد سحرت عقولكم كأنما غابت عن رشدها ، واعتراها الذهول ، فتصورت الأشياء على غير ما هي عليها . وقد ثبت بالتجربة أن تكرار الكلام يخدع العقول والحواس حتى تتخيل غير الحق حقا ، وتتوهم صدق ما يقال وإن كان باطلا ، ومن ثم كثرت المذاهب الإسلامية وابتدع الرؤساء الدينيون والسياسيون من الأساليب ما خدعوا به عقول الشعوب في دينهم ودنياهم .